محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي
21
درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز
الملتين في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم كفر ، ولذلك قال اللّه تعالى : قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى أي : الإيمان الذي بعثتك به هو الطريق المؤدي إلى رضى اللّه وإلى ثوابه . ثم قال : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فمنعه من اتباع الفرقتين بالعلم الذي حصل له بصحة الإيمان وبطلان الكفر ، « والذي » في هذا المكان واقعة على العلم الذي ثبت به الإسلام وصح الإيمان ، وكما أن هذا العلم مانع من الكفر الذي هو أكبر الذنوب ، فالعلم الذي يمنع منه أفضل العلوم ، فإذا عبر عنه بأحد هذين الاسمين المبهمين وجب أن يخص منهما بالأشهر ، إذ كان للعلم المحيط بالأكثر وهو جملة الدين . . فأما الموضعان الآخران فليس القصد فيما عبر بلفظة « ما » عنه فيهما مثل القصد في الآية الأولى وذلك أن قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ جاء بعد خبر اللّه تعالى عن مخالفة أهل الكتاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم في القبلة ؛ لأنه قال عز اسمه : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ إلى قوله : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » فمنع عز وجل عن اتباع أهوائهم في أمر القبلة ، وهو بعض الشرع بما حصل له من العلم بأن القبلة هي التي أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بالتوجه إليها ، فإذا كان ذلك بعض الشرع كان العلم بصحته بعض علم الشرع ، ولم يكن كالعلم في الآية الأولى الذي هو محيط بالشرع وكل الإيمان ، فلما كان واقعا على بعض ما وقع عليه الأول لم يشهر شهرته ، فعبر عنه باللفظ الأقصر لما خص الأول باللفظ الأشهر ، وكذلك قوله تعالى في سورة الرعد « 2 » : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ إنما جاء بعد قوله : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ « 3 » فنهى اللّه تعالى عن اتباع أهوائهم في البعض بما أنزل اللّه عز وجل إليه ، وهو الذي ينكره الأحزاب بما ثبت له من العلم بصحة هذا البعض الذي ينكرونه كما ثبت له بباقيه ، فلما كان هذا العلم بعض العلم الذي عبر عنه بلفظة « الذي » صار كالشائع في أبعاض هي مجموعة في الأول الذي عبر عنه باللفظ الأشهر ، فكان العلم المانع من اتباع أهوائهم فيه مثل العلم المانع من اتباع أهوائهم في أمر القبلة ، فعبر عنه بمثل ما عبر به عن ذلك . فإن قال قائل : فكيف خص ما في القبلة بلفظة « من » ؟ فقال : مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ولم يكن ذلك في
--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 145 . ( 2 ) الآية : 37 . ( 3 ) سورة : الرعد ، الآية : 36 .